أحمد بن علي القلقشندي

265

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

يستضاء بهما في حنادس اللَّيالي ، وقاعدتين تبنى الدّول على أركانهما ، وشجرتين يجتنى العزّ من أغصانهما ؛ جرّ كلّ منهما ثوب الخيلاء فخرا فمشى وتبختر ، وأسبل رداء العجب تيها فما تخبّل ولا تعثّر ، واتسع له المجال في الدّعوى فجال ، وطاوعته يد المقال فقال وطال ، وتطرّقت إليهما عقارب الشّحناء ودبّت ، وتوقّدت بينهما نار المنافسة وشبّت ، وأظهر كلّ منهما ما كان يخفيه فكتب وأملى ، وباح بما يكنّه صدره والمؤمن لا يكون حبلى ؛ وبدأ القلم فتكلم ، ومضى في الكلام بصدق عزم فما توقف ولا تلعثم ، فقال : باسم اللَّه تعالى أستفتح ، وبحمده أتيمّن وأستنجح ؛ إذ من شأني الكتابة ، ومن فنّي الخطابة ؛ وكلّ أمر ذي بال لا يبدأ فيه باسم اللَّه تعالى فهو أجذم ، وكلّ كلام لا يفتتح بحمده فأساسه غير محكم ورداؤه غير معلم ؛ والعاقل من أتى الأمر من فصّه ، وأخذ الحديث بنصّه ؛ والحقّ أحقّ أن يتّبع ، والباطل أجدر أن يترك فلا يصغى إليه ولا يستمع ؛ إني لأوّل مخلوق بالنّص الثابت والحجّة القاطعة ، والمستحقّ لفضل السّبق من غير منازعة ؛ أقسم اللَّه تعالى بي في كتابه ، وشرّفني بالذّكر في كلامه لرسوله وخطابه ، فقال جلّ من قائل : * ( ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ ) * ( 1 ) ، وقال جلَّت قدرته : * ( اقْرَأْ ورَبُّكَ الأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ ) * ( 2 ) ، فكان لي من الفضل وافر القسمة ، وخصصت بكمال المعرفة فجمعت شوارد العلوم وكنت قيّم الحكمة . فقال السّيف : بسم اللَّه واللَّه أكبر : * ( نَصْرٌ مِنَ الله وفَتْحٌ قَرِيبٌ ) * ( 3 ) . لكلّ باغ مصرع ، وللصّائل بالعدوان مهلك لا ينجو منه ولا ينجع ؛ وفاتح باب

--> ( 1 ) القلم / 1 . ( 2 ) العلق / 3 . ( 3 ) الصف / 13 .